السيد عبد الأعلى السبزواري
19
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
الخامس : يدلّ قوله تعالى : فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى على أنّ اتّباع الهوى من أشدّ الرذائل تأثيرا على النفس في إبعادها عن الواقع وأكبر الموانع من الوصول إلى المقامات العالية ، وتظهر أهميّته من أهميّة الفضيلة إلي ذكرها عزّ وجلّ في صدر الآية المباركة . السادس : يستفاد من قوله تعالى : وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا أنّ المعصية الّتي يمكن أن تتحقّق في الشهادة هي التحريف والتبديل والشهادة بالباطل ، وما ذكره عزّ وجلّ آنفا من الشهادة لغير اللّه وجرّ النفع والجور فيها أو الإعراض عنها بالكليّة بأن يكتمها ولا يؤدّيها ، وهذا شاهد على ما ذكرناه في أحد مباحثنا السابقة من تناسب المعصية مع الأفعال والأقوال ، فإنّ كلّ معصية تتناسب مع الموضوع الّذي وقعت فيه المعصية ، ففي الأقوال مثلا الكذب والبهتان والزور ونحو ذلك ، كما أنّ في كلّ جارحة لها معصيتها ، ففي العين النظر إلى المحرّم ، وفي اليد السرقة والخيانة في الأمانة ولمس الأجنبيّة ، وفي الرجل السعي إلى الحرام وهكذا ، فالمعصية في الشهادة هي الّتي فيها بالمعنى الأعمّ والإعراض عنها . وعلى هذا ، يمكن أن يكون قوله تعالى : وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً تفسيرا لهذه الآية المباركة - وهي إجمال لصدرها ، وهي تدلّ على كونها في مقام تعداد معاصي الشهادة - قوله تعالى : فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً الظاهر في التهديد والتوبيخ لمن يجور في الشهادة . السابع : عموم قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ يشمل جميع أنحاء الإيمان إيمان العيان ، وإيمان البرهان ، والإيمان العيني ، وتجريد الإيمان للّه تعالى وتخليصه من كلّ أنحاء الشرك الجلي والخفي وجميع الشبهات والاعتراضات والإيمان بالمجموع ، وإيمان التسليم والتفويض والإيمان التفصيلي ، فإنّ الإيمان له مراتب وكلّ فرد يستفيد من الآية الكريمة حسب استعداده وما يفاض عليه من المبدأ الفيّاض جلّ جلاله .